إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
488
الإعتصام
استقلاله بالبعض فافتقاره في بعض الأشياء لا يدل على افتقاره مطلقا قلنا بل هو مفتقر على الإطلاق لأن القائلين بالوقف اعترفوا بعدم استقلاله في البعض وإذا ثبت الافتقار في صورة ثبت مطلقا إذ ما وقف فيه العقل قد ثبت فيه ذلك وما لم يقف فيه فإنه نظري فيرجع ما تقدم في النظر وقد مر أنه لا بد من حكم ولا يمكن إلا من جهة الإخبار وأما القائلون بعدم الوقف فراجعة أقوالهم أيضا إلى أن المسألة نظرية فلا بد من الإخبار وذلك معنى كون العقل لا يستقل بإدراك الأحكام حتى يأتي المصدق للعقل أو المكذب له فإن قالوا فقد ثبت فيها قسم ضروري فيثبت الاستقلال قلنا إن ساعدناكم على ذلك فلا يضرنا في دعوى الافتقار لأن الأخبار قد تأتى بما يدركه الإنسان بعقله تنبيها لغافل أو إرشادا لقاصر أو إيقاظا لمغمور بالعوائد يغفل عن كونه ضروريا فهو إذا محتاج إليه ولا بد للعقل من التنبيه من خارج وهي فائدة بعث الرسل فإنكم تقولون إن حسن الصدق النافع والإيمان وقبح الكذب أيضا والكفران معلوم ضرورة وقد جاء الشرع بمدح هذا وذم ذلك وأمر بهذا ونهى عن ذلك فلو كان العقل غير مفتقر إلى التنبيه لزم المحال وهو الإخبار بما لا فائدة فيه لكنه أتى بذلك فدلنا على أنه نبه على أمر يفتقر العقل إلى التنبيه عليه هذا وجه . ووجه آخر : وهو أن العقل لما ثبت أنه قاصر الإدراك في علمه فما ادعى علمه لم يخرج عن تلك الأحكام الشرعية التي زعم أنه أدركها لإمكان أن يدركها من وجه دون وجه وعلى حال دون حال والبرهان على ذلك أحوال أهل الفترات فإنهم وضعوا أحكاما على العباد بمقتضى السياسات لا تجد فيها أصلا منتظما وقاعدة مطردة على الشرع بعد ما جاء بل استحسنوا أمورا تجد العقول بعد تنويرها بالشرع تنكرها وترميها بالجهل والضلال والبهتان والحمق مع الاعتراف بأنهم أدركوا بعقولهم أشياء قد وافقت وجاء الشرع بإقرارها وتصحيحها ومع أنهم كانوا أهل عقول باهرة وأنظار صافية وتدبيرات لدنياهم غامضة لكنها بالنسبة إلى ما لم يصيبوا فيه قليلة فلأجل هذا كله وقع الإعذار والإنذار وبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل والله الحجة البالغة والنعمة السابغة .